ابن الحسن النباهي الأندلسي
19
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
مع القاضي ، ما لم يحف عمدا » . وفي « الصحيح » : إذا حكم الحاكم ، ثمّ اجتهد فأصاب ، فله أجران ؛ وإذا حكم فاجتهد ، ثمّ أخطأ ، فله أجر واحد . قال أهل العلم : والمراد هنا بالحاكم ، البصير بالحكومة ، المتحرّي العدل . وقد استدلّ بهذا الحديث من يرى أنّ كلّ مجتهد مصيب ؛ لأنّه صلّى اللّه عليه وسلم ! جعل له أجرا . واحتجّ به أيضا أصحاب القول الآخر بأنّ المصيب واحد والحقّ في طرف واحد ، لأنّه ، لو كان كلّ واحد مصيبا ، لم يسمّ أحدهما مخطئا ، فيجمع الضّدّين في حالة واحدة . قال القاضي أبو الفضل بن موسى في إكماله : والقول بأنّ الحقّ في طرفين هو قول أكثر أهل التحقيق من المتكلّمين والفقهاء ؛ وهو مرويّ عن مالك والشافعيّ وأبي حنيفة ، وإن كان قد حكي عن كلّ واحد منهم اختلاف في هذا الأصل . وهذا كلّه في الأحكام الشرعيّة . وأمّا ما يتعلق بأصل وقاعدة ، من أصول التوحيد وقواعده ، ممّا مبناه على قواطع الأدلّة العقليّة ، فإنّ الخطأ في هذا غير موضوع ، والحقّ فيها في طرف واحد ، بإجماع من أرباب الأصول ، والمصيب فيها واحد ، إلّا ما روي عن عبد اللّه العنبريّ ، من تصويبه المجتهدين في ذلك ، وعذره لهم ؛ وحكي مثله عن داود « 1 » وكلّه لا يلتفت إليه ، وقد حكي عن العنبريّ أنّ مذهبه في ذلك على العموم ؛ وعندي أنّه إنما يقول ذلك في أهل الملّة دون الكفرة ؛ والاجتهاد المذكور في هذا الباب هو بذل الوسع في طلب الحقّ والصواب في النازلة . انتهى . وفي حديث معاذ بن جبل « 2 » أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أذن له أن يجتهد برأيه فيما لم يكن في الكتاب والسّنّة ؛ وقد ورد : ما من قاض يقضي بالحقّ إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك ، إلى غير ذلك ممّا جاء في هذا الباب . فصل في الخصال المعتبرة في القضاة : من التنبيهات وشروط القضاء ، التي لا يتمّ للقاضي قضاؤه إلّا بها ، عشرة : الإسلام ؛ والعقل ، والذكوريّة ؛ والحرّيّة ؛
--> ( 1 ) في الأصل : « داود » . ( 2 ) هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي ؛ صحابي جليل ، وأحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم . توفي سنة 18 ه . الأعلام ( ج 7 ص 258 ومصادر حاشيته ) .